هل يمكن للتدخل الياباني في العملة أن يؤدي الى استقرار سعر الين؟

0

في شهر سبتمبر الماضي تحركت الحكومة اليابانية بشكل مفاجئ في سوق العملات الأجنبية لأول مرة منذ أكثر من 24 عام وقامت بشراء الين الياني وبيع الدولار، كان الهدف من هذه الخطوة المحافظة على قيمة الين الذي تكبد خسائر كبيرة أمام الدولار حتى الآن بأكثر من 25%، ولكن هل كان للتدخل أي تأثير؟ ولماذا تصرفت الحكومة؟ هل سيكون هذا القرار داعمًا لقيمة الين؟.

نظرة إلى الوراء يوم 22 سبتمبر

Contents

في يوم 22 سبتمبر تدخلت الحكومة اليابانية في سوق العملات الأجنبية وكانت الأنظار متجهة إلى البنك المركزي الياباني، في الوقت نفسه، رفع البنك الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة الرئيسي بواقع 0.75 نقطة مئوية وأصدر توقعات بشأن الارتفاعات المستقبلية التي كانت أكثر حدة من النسخة التي تم إصدارها قبل ثلاثة أشهر.

وكان من المرجح أن يقوم البنك الوطني السويسري برفع أسعار الفائدة الرئيسية إلى المنطقة الايجابية، في حين أن بنك اليابان لن يغير من سياسته التيسيرية للغاية وسيبقى البلد الوحيد الذي يتمتع بأسعار فائدة سلبية.

لم يحدث هذان الأمران فحسب، بل كرر رئيس بنك اليابان “هاروهيكو كورودا” التزامه القوي بالتخفيف قائلاً في مؤتمره الصحفي الذي أعقب اجتماع السياسة، “لن يرفع بنك اليابان أسعار الفائدة في المستقبل المنظور، وبدلاً من ذلك، سنزيد تخفيف السياسة إذا لزم الأمر “.

مع تباين السياسة النقدية الآخذه في الاتساع والذي تم تسليط الضوء عليها بين البنك المركزي الياباني والبنوك المركزية الرئيسية الأخرى، انزلق الين أكثر فأكثر قد فقدت بالفعل حوالي 19% من قيمتها في ذلك الوقت، حيث شددت العديد من البنوك المركزية العالمية من سياستها على مدار العام، وخسر الين قوته مقابل الدولار ليهوي إلى مستوي 145 وهو عتبة لم يتم تجاوزها منذ عام 1998.

بعد ذلك، عكس زوج الدولار والين مساره فجأة في سوق تجارة العملات الأجنبية حيث انتقل من 145 إلى 140، وبعد فترة قليلة أعلن نائب وزير المالية “كاندا ماساتو” أن اليابان قد تدخلت بشراء الين لأول مرة منذ عام 1998، موضحًا بأن الحكومة اتخذت للتو أمرًا حاسمًا.

أنفقت اليابان ما يقرب من 2.84 تريليون ين أي ما يعادل 19.6 مليار دولار على التدخل في أسواق العملات في الفترة ما بين 30 أغسطس إلى 28 سبتمبر، سيتم إصدار معلومات حول المبلغ الذي يتم إنفاقه في كل يوم خلال في شهر نوفمبر، ولكن إذا تم إنفاق هذا المبلغ بالكامل في يوم 22 سبتمبر فقد يعتبر ذلك أكبر تدخل ياباني في سوق العملة حتى الآن.

ما الدافع وراء هذا التدخل؟

جاء التدخل في الوقت الذي كان الناس في اليابان يعانون من زيادة في أسعار الواردات بسبب ضعف الين والتي تخطت نسبة 41.8% مقارنة بالعام الماضي، وقد بدأ الين في التراجع بشكل كبير منذ مارس، وإذا ارتفع سعر صرف العملة من 115 يناً مقابل الدولار إلى 145 يناً على سبيل المثال فإن ذلك سيرفع أسعار الواردات قرابة 30%، وقد شعر الناس في جميع أنحاء اليابان بالتأثيرات حيث يشتكي المتسوقون من الأسعار المرتفعة.

يقول أحد محللي السوق إن إدارة كيشيدا يجب أن تعالج ارتفاع الأسعار، وإلا ستواجه “انخفاضًا في نسبة التأييد لها”، لهذا ذهبت الحكومة إلى ملاذها الأخير من حيث مستويات الفوركس وهو: التدخل في السوق، ويضيف كومانو أن التدخل “نفسي” بطبيعته، كان من المفترض أن يؤدي التدخل الصحيح مع ضعف الين بعد 145 إلى جعل المشاركين في السوق على دراية بهذا المستوى.

وفي كل مرة يضعف فيها الين متجاوزًا عتبة رئيسية، تقوم الحكومة بوضع خطوط دفاعية جديدة، كل هذا يهدف إلى الحفاظ على الين الضعيف لبعض الوقت.

كيف تحرك الين بعد تدخل الحكومة؟

من المؤكد أن تدخل 22 سبتمبر أوقف انخفاض الين لفترة قصيرة، حيث عاد الزوج مرة أخري إلى نفس المستويات تقريبًا التي كان عليها قبل التدخل الحكومي، علاوة على ذلك، ضعف الين أكثر حيث تجاوز الدولار الأمريكي 149 وهو أدنى مستوى خلال 32 عامًا للين.

كان الهدف الرئيسي من تدخل الحكومة هو تقوية الين ودعمه، فعملية شراء الين يقلل الكمية المتواجدة في السوق وبالتالي يرفع من قيمته، ومع ذلك، فإن السياسة السهلة للغاية لبنك اليابان لها تأثير معاكس، حيث يؤدي التخفيف النقدي إلى زيادة مجموع الأموال في الأسواق وبالتالي خفض قيمة الين، تُشبه سياسة الحكومة لشراء الين ومحافظة البنك المركزي الياباني على موقفه السهل الضغط على البنزين والفرامل في الوقت نفسه.

يعرف المسؤولين جيدًا أن التدخل لا يمكن إلا أن يحقق الكثير، كما تعرف الحكومة أن التدخل في السوق تأثيره محدود، ولهذا السبب شنت هجومًا مفاجئًا، إذا جاز التعبير، في أكثر الأوقات فعالية، وذلك بعد كل قرارات السياسة النقدية الرئيسية.

تعتمد الحكومة في تدخلها في سوق العملات على “الحساب الخاص لصندوق النقد الأجنبي” الخاص باليابان، يوجد في هذا الحساب حوالي 1.3 تريليون دولار، لذلك إذا قمت بتقييم هذا الرقم يبدو أن الحكومة لديها وفرة من الأموال، ومع ذلك، تم استثمار الكثير من هذه الأموال في أصول أخري مثل سندات الحكومة الأمريكية، لذا فإن حجم السيولة التي تمتلكها الحكومة قد لا تكون في الواقع بهذا الارتفاع، وبغض النظر عن ذلك فإن قرار الحكومة بالتدخل يعد جريئًا، ولكن على ما يبدو أن المسؤولين ليس لديهم نية لمواصلة التدخل لفترة طويلة.

إلى متى إذن يمكن أن يستمر شراء الين؟ يري الخبراء أن الحكومة ستستمر في التدخل لعدة أشهر أخرى لأنها تعتقد أن الين يحتاج فقط إلى أن يبقى مستقرًا فقط في مستوياته حتى يتعرض الاقتصاد الأمريكي لضربة من ارتفاعاته الخاصة، من المحتمل أن تكون هناك مخاوف بشأن الاقتصاد الأمريكي في غضون بضعة أشهر، وقد يوقف البنك الاحتياطي الفيدرالي تشديد السياسة النقدية ورفع سعر الفائدة، إذا حدث ذلك، فإن سوق العملات سيشهد ضغوطًا في الاتجاه العكسي نحو الين أقوى.

الخطر الآخر لمحاربة ارتفاع الأسعار

يقول رئيس الوزراء “كيشيدا فوميو” أن التدخل في سوق العملة لم يكن الآلية الوحيدة التي استخدمتها الحكومة لترويض الأسعار المرتفعة، وأضاف أن حكومته ستجمع حزمة اقتصادية لمحاربة التضخم.

ومع ذلك، يحذر خبراء السوق من أن دعم السياسة يمكن أن يضعف الين أكثر وبالتالي يزيد التضخم سوءًا، إذا كان يُنظر إليه على أنه أكثر مما يمكن للدولة تمويله، كما حذروا من تكرار سيناريو المملكة المتحدة وكيف يمكن أن تؤدي المخاوف بشأن الاستقرار المالي إلى انخفاض قيمة العملة، حيث كشفت إدارة رئيسة الوزراء البريطانية السابقة النقاب عن خطط لخفض الضرائب لمساعدة شعبها للتعامل مع الأسعار المرتفعة، وهذا يعني أن الحكومة ستضطر إلى الاقتراض أكثر مما دفع إلى عمليات بيع للجنيه الإسترليني الذي سجل مستويات منخفضة قياسية، لقد كان الذعر الاقتصادي الذي أعقب ذلك ضخمًا لدرجة أن الحكومة البريطانية اضطرت إلى التراجع عن خطط خفض الضرائب، إذا قامت إدارة كيشيدا بتحركات كبيرة لتحفيز الاقتصاد فهذا يعني توسع مالي دون تغيير في سياستها النقدية وقد ينتج عن ذلك سقوط الين كما فعل الجنيه.

ورقة كيشيدا الرابحة

إذا كان لدى الحكومة طريقة جيدة وفعالة لإيقاف ضعف الين، فقد يعود الأمر إلى خليفة كورودا كمحافظ بنك اليابان، يشير المحللون إلى أن “إدارة كيشيدا لديها ورقة رابحة إذا جاز التعبير، ضعف الين الحالي لأن البنك المركزي الياباني يقول إنه ليس لديه ميل لرفع سعر الفائدة كما تفعل الولايات المتحدة، ولكن إذا تغير حاكم بنك اليابان إلى شخص ما بموقف مختلف، فقد يتحرك زوج الدولار مقابل الين في الاتجاه العكسي”.

أما بالنسبة للتوقيت الذي قد تلعب فيه الحكومة بهذه الورقة، فمن المرجح أن يكون في وقت مبكر مثل ديسمبر، من المقرر أن تنتهي فترة ولاية الرئيس الحالي كورودا في ربيع عام 2023، ومع وجود تقلبات في سوق العملات العالمية سيتعين على الحكومة والبنك المركزي السير بحذر عندما يتعلق الأمر يتحركات الين.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept